حجر في المياه الراكدة

بقلم: عصام خوري

10/1/2004

حالة الإغلاق التي ألمت بالأمة العربية منذ الاحتلال العثماني، وغياب المثقف العربي عن حراك المجتمع في ظل الأنظمة المركزية العسكرية الحالية ولد ثقافة تحمل عدد من الأوجه:
–  ثقافة موالية ومؤازرة للنظام.
– ثقافة معارضة ثورية شرسة، أبيدت وقمعت في حينها، أو استمرت ودَمَرت كما في الجزائر.
– ثقافة معارضة إصلاحية بخجل من الداخل.

– ثقافة معارضة ثورية من الخارج.
– ثقافة معارضة إصلاحية من الخارج.gallery-preview

المياه الراكدة السورية والحجارة:

يلاحظ في الثقافة السورية بروز بالغ للثقافة الموالية للنظام، ساعد في ذلك الواقع المجاور لدولة إسرائيل، والخطاب القومي الذي انتهجته القيادة السورية، وتدني مستوى دخل الفرد مما دفع عدد كبير من المثقفين والأكاديميين لتمجيد السلطة في الباطل والصالح. وفي ظل النظام الانفرادي والاستبداد المخابراتي تقلص دور المثقف المعارض ليتوزع نشاطه بين جدران السجون، أو في منافي الخارج التي استقبلته وفق برامج اللجوء السياسي.
الفساد والبطالة والحداثة والشفافية والتنمية. عبارات ترددت في العهد الجديد الذي تبنى شعار الإصلاح. /ولعل كلمة الإصلاح تحمل مفهوم المصالحة/.
المصالحة التي لطالما حلم بها الشعب المتعب، دون دم ودون عمالة.
ومن هذا التوجه عاد للمثقف المعارض دوره، فظهرت المنتديات التي قمعت وأغلقت أبوابها خلال فترة قياسية، واعتقل عدد من النشطاء كمعتقلي ربيع دمشق، ونشطاء داريا، وعدد من الأكراد…
لكن سماح السلطات السورية باستقبال الفضائيات ودخول الانترنيت، عرف الشارع السوري على نشطاء المعارضة السورية في الخارج /هيثم مناع، عبيدة نحاس، صبحي حديدي، برهان غليون، ناصر غزالي، جان كورد، فريد الغادري، نزار نيوف…/ كما عزز معرفته ببعض النشطاء من الداخل / رياض الترك، هيثم مالح، أكثم نعيسة، محمد رعدون، ميشيل كيلو، فايز سارة، فاتح جاموس…/ وعزز معرفته أيضا بوجود أحزاب محظورة كحزب يكيتي الكردي و…
والسؤال الهام ما هو حجم هذه المعارضة، وما هي روابطها بالمواطن الفقير، وهل تملك أرضية شعبية تساندها في برامجها؟ وهل لديها برامج حقيقية، أم ؟

إحراق عناصر المعارضة:

أدى ظهور عدد من النشطاء في الفضائيات، وظهور مواقع انترنيت معارضة لسياسة الحكم إلى تطويق هؤلاء النشطاء ومراقبة اتصالاتهم من قبل الأجهزة الأمنية ووصلت بعض الإجراءات إلى حرمانهم من مغادرة الأراضي السورية، ونتيجة ضعف خبرة المناورة السياسية وبعض الصفات الرجولية لهؤلاء النشطاء أو لضيق الحيلة نجحت الأجهزة الأمنية في فرض عزلة شعبية عنهم، فأمسوا يتراسلون فيما بينهم ويعقدون الندوات فيما بينهم، والأغرب من ذلك أنهم انشقوا فيما بينهم وتصارعوا. وفيما يلي استعراض لبعض المواقف:
– تهجم واستخفاف منظمة لجان الدفاع عن حقوق الانسان“ل.د.ح” لشخصية نزار نيوف.
– تهجم نزار نيوف على شخصية هيثم مناع.
– تبني “ل.د.ح” انتقادات نيوف ضد مناع الذي ترفضه “ل.د.ح”.
– اتهامات متبادلة ومتواصلة بين “ل.د.ح”&”HRAS” برداءة العمل والحصول على تمويل غير مشروع.
– فرح العديد بقدوم مناع لسوريا، وترديدهم إشاعات حول احتواء الحكومة له.
– سخرية بعض النشطاء الحقوقيين من نشاط مناهضي العولمة.
– تسخيف مناع التحالف الديموقراطي السوري بزعامة الغادري.
– سخرية الكردي من أصل سوري جان كورد لمناع، واتهامه بالعمالة مع الأميركي لأنه يشبك علاقات مع حوالي عشر منظمات غير حكومية أميركية.
– توجيه فاكس وبيان شجب من قبل “ل.د.ح” لمركز المنظمة العربية لحقوق الإنسان في القاهرة، يستنكر فيه تأسيس الفرع العاشر في سوريا من قبل أعضاء ليس لهم ماضي سياسي.
– اتهامات “ل.د.ح” لبعض عناصرها المنشقة بالتعامل مع الأجهزة الأمنية.
– اتهام العناصر المنشقة ل “ل.د.ح” بأنها حظيرة آل نعيسة.
– اتهام عدد من لجان إحياء المجتمع المدني لرئيس “ل.د.ح” بالعمالة مع الأجهزة الأمنية.
– سخرية عدد من نشطاء مناهضي العولمة لشخصيات لجان إحياء المجتمع المدني.
“ملاحظة: لقد أسميت الجمعية ولجان حقوق الإنسان، ومناهضو العولمة، ولجان إحياء المجتمع المدني معارضة لأنهم انتهجوا العمل الحقوقي السياسي فقط بالإضافة لنشاطات بعضهم في أحزاب المعارضة”.

استعراضي للمواقف السابقة، يخبرنا حقيقة التشتت الذي تعاني منه المعارضة، ومحاولات السيطرة على الزعامة، والرغبة في فرض الرأي، وعدم قبول الآخر. ولعل خلفية القمع الذي تعرضت له عناصر المعارضة جعلها قمعية في تعاملها مع شركائها ولربما مع نفسها.
والسؤال الهام الذي يجب تكراره مرارا. ما هو حجم المعارضة؟ وهل هي قابلة للزيادة؟.

إن عدد عناصر المعارضة في الداخل لا تتجاوز الألفين، والفاعل منهم حوالي الخمسمائة غالبيتهم في عقد الخمسينات وأبناؤهم، والعدد مستنتج من خلال المظاهرات والعرائض. أما المعارضة في الخارج فتشمل وبكل تأكيد جميع المنفيين ولكنهم لا يملكون الأرضية الشعبية التي تحتضنهم، وبعضهم يفضل الخارج رغم ترديده الرغبة في العودة. ومن هذا الواقع نجد أن المعارضة لم يتبلور نشاطها بشكل فعلي.

الدبابة الأميركية:

أطلق المعارض مناع مفهومي /دبابة أميركية وكرزاي سوريا/ ونال حديثة استحسان المعارضة التقليدية جميعها، كما أثنت عليه السلطة السورية وعدتها ورقة رابحة في مشروع قانون محاسبة سوريا. لكن بروز حزب الإصلاح السوري وقيام مؤتمره الأول في نيويورك “مؤتمر التحالف الديموقراطي السوري”، وإقرار قانون محاسبة سوريا من قبل الإدارة الأميركية. وضع المعارضة بين مطرقتين الأولى السلطة السورية التي لم تحتضنها، والثانية مبدؤها في رفض سياسة القطبية الواحدة، التي بدورها استعاضت عنها حال رفضها وبكل سهولة بحزب الإصلاح السوري.
وفي ظل غياب القاعدة الشعبية للحكومة السورية مع فشلها في تحقيق مصالحة مع مواطنها الفقير المنهك من الضرائب والروتين الحياتي اليومي، نجد تشابه حالها مع المعارضة التقليدية، فكلاهما في برجين عاجيين بعيدين عن الشارع، وكلاهما مهددين بوابل من العقوبات فلا سقف للبرجين.

البدائل:

مع أن عبارة السيف سبق العزل، تسيطر على لسان المحللين السياسيين، لكن المنطق والوطنية والإنسانية تدفعنا لطرح عدد من البدائل.
– الالتفات نحو المواطن الفقير، وذلك من خلال العمل الميداني المباشر. وكأمثلة:
( العمل وفق رؤية بيئية، العمل لتنمية الأرياف، الأعمال لتنمية الطلبة، حضن المواهب الجديدة والسعي لتطويرها بالممكن، تفعيل الحوار بين الأديان، الإكثار من الندوات الثقافية ومحاولة دفع المواطن البسيط والشباب إليها، القيام بالرحلات للأرياف المنسية والاحتكاك بسكانها، رعاية الأطفال المشردين،…)
– القيام بأبحاث ميدانية ومقابلات مع سكان أحياء المدن الفقيرة، دراسات في تخطيط المدن وتوضيح مخاطر خروقات السكن العشوائي.
– توعية المواطن البسيط لروح العمل المدني.
– التقليل من المصطلحات اللغوية في البيانات أو إلغاؤها إن أمكن، وتوزيعها للمواطن وليس للنخبة.
– الكتابة السياسية الموضوعية الهادفة للإنماء، وليس لتسخيف الآخر الموجود فرضاً.
– التواضع ثم التواضع ثم التواضع، فبالتواضع تولد الثقافة القريبة من المواطن الباحث عن أي شكل من أشكال الإنسانية.

CESD

CENTER FOR ENVIRONMENTAL AND SOCIAL DEVELOPMENT CESD is a nonpartisan, 501(c)(3), international human rights organization based in New York. We share a commitment to social justice, human rights, and peace between all nations. Our efforts contribute to the mission of creating a new culture in the MENA region which is mainly based on the values of citizenship, peace, and coexistence.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *